قرية تونس.. عاصمة الفنون ومنتجع سياحي بالفيوم
مشاهد من قرية تونس، إحدى أبرز الوجهات السياحية والثقافية بمحافظة الفيوم
تحوي 250 منزلًا أنشأها الفنان العالمي حسن فتحي
سميت بهذا الاسم وفاءً للصداقة التى جمعت بين مواطنين مصرى وتونسي
السيدة إيفيلين: كنت متحمسة أن أوجد عاصمة للفنون والآداب والجمال فى الريف المصرى
الأديب والمترجم العالمى دينيس جونسون ديفيز أشهر سكانها
الفنان محمد عبلة: قرية تونس هى واحة الفن والفنانين
جولة: الاء محمد
تصوير: يوسف اسامة
قرية مصرية تقع على ضفاف بحيرة قارون، وتبعد 55 كيلومترًا من محافظة الفيوم، مكانها أعلى ربوة صخرية تنحدر إلى شاطئ بحيرة قارون، وتفصلها عن المياه مساحات خضراء وأشجار.
النهج المعماري للقرية مميز بأنه من الطين والقباب، حيث تحوي 250 منزلًا أنشأها الفنان العالمي حسن فتحي على الطراز الإسلامى الذي تميزت به، وباتت منتجعًا سياحيًا بفضل عمدة سويسرية تحكمها.
“وفاء”
وسميت القرية بهذا الاسم وفاءً للصداقة التى جمعت بين مواطنين مصرى وتونسي، حيث إن مالك الأرض التى بنيت عليها قرية تونس كانت تجمعه صداقة بمواطن تونسى أقام فترة في القرية ثم غادرها، لكن صديقه المصري أصر على أن تحمل القرية اسم “تونس” وفاءً لصديقه، وكونها تشبه في منازلها البيضاء وأرضها الخضراء وطبيعة مناخها المعتدل غالبية أوقات السنة العاصمة التونسية.
ويأتى لها السياح فى الشتاء، خاصة فى شهور يناير وفبراير ومارس، من جميع أنحاء العالم، وهذا فى الغالبية العظمى، ولكن فى خلال السنة يتردد عليها السياح من دول الخليج وسويسرا وإيطاليا ومعظم دول أوروبا.



“ورش خزفية”
أي زائر بالقرية يجب أن يتوجه أولًا إلى “الست الكبيرة”، وذلك حسب تعبير أهالى القرية، وهي السيدة إيفلين، فنانة الخزف السويسرية، صاحبة الفضل الأكبر فيما وصلت إليه القرية الآن، حيث أنشأت مدرسة لتدريب أطفال القرية على فنون صناعة الخزف والفخار، وأطلقت عليها “جمعية بتاح”، والتي اكتسبت شهرة عالمية مع الوقت نتيجة كثرة المعارض التى تم تنظيمها فى العديد من دول العالم، خاصة أوروبا.
والسيدة إيفلين تقيم في القرية منذ 45 عامًا، وهى سيدة سويسرية الأصل، وكانت متزوجة بالشاعر سيد حجاب، الذى كان مدعوًا فى أمسية شعرية بالقرية، فاصطحبها معه، وعندما رأت هذا الجمال غير العادى الذى تتصف به القرية قررت أن تبقى فى هذا المكان، فانفصل الاثنان، وعاشت إيفلين فى القرية بمفردها في بادئ الأمر، ثم اصطحبت معها فيما بعد عددًا من أصدقائها، وبدأت تمارس هوايتها المفضلة فى صناعة الخزف.
تقول إيفلين: “لا أحب أن يعاملنى أحد كسائحة أجنبية، فأنا عشت عمرى كله هنا فى قرية تونس عندما كانت منطقة مظلمة مخيفة على ضفاف بحيرة قارون، لكن كان عندى حماس أن أوجد عاصمة للفنون والآداب والجمال فى الريف المصرى، فاخترت هذه القرية بالمصادفة ونقلت إليها ما تعلمته فى كلية الفنون التطبيقية بسويسرا، وبدأت التجربة بفن الخزف ونظمت ورشة ثم تحولت الورشة إلى جمعية لتعليم أولاد الريف على هذا الفن، والآن هناك ورش عديدة بالقرية، وفى المدرسة يتعلم الأطفال هذا الفن التراثي الذى لن يموت، لأن مصر صاحبة حضارة عظيمة وطويلة جدًا، وهى أصل كل هذه الفنون، وفى كل عام ننظم معارض عالمية فى فرنسا وسويسرا، وتحظى بإقبال كبير وإعجاب ممن يقدرون هذا الفن”.



“عاصمة الفنون”
وتضيف إيفلين أن القرية تحولت إلى عاصمة للفنون والجمال لأنها، حسب تعبيرها، تجمع كل شىء جميل فى مصر، فهناك خضرة وجبل ومياه وناس بسطاء، وهذا ما جعل فنانو وأدباء أوروبا يأتون إليها خصيصًا ويقيمون بها فترة كل عام من أجل مواصلة إبداعهم، مثل الأديب العالمى دينيس، مترجم أدب نجيب محفوظ.
وتابعت: “أيضا هذا المكان يتمتع بهدوء غير طبيعى والناس بسطاء جدًا وخارج نطاق الزمن، يعنى هم يستيقظون منذ الصباح الباكر ويذهبون لأعمالهم فى الحقول ثم يعودون وقت الظهيرة ثم يذهبون للحقول مرة أخرى بعد العصر ثم يعودون فى المساء، فأنا أشعر أن الحياة هنا تسير فى غاية النظام والدقة كأننى جالسة فى خلية نحل، وطيلة الـ45 عامًا شعرت طوال الوقت أن المصري إنسان بسيط ووديع ويستطيع أن يرسم ويبدع بأنامله بمنتهى البساطة”.
ولم تحصل إيفلين حتى الآن على الجنسية المصرية، لكن ابنتها تزوجت بمصرى فأصبحت مصرية، وقامت بكتابة عقد منزلها فى القرية على اسم ابنتها، إلا أنها كما ذكرت لنا تشعر بأنها مصرية وأن تجربتها فى قرية تونس يشهد بها الاتحاد الأوروبى الذى أوفد لجنة لدراسة جوانب الجمال فى القرية، وأنها ساهمت فى الترويج السياحى للقرية من خلال المعارض الكثيرة التى قامت بتنظيمها فى دول أوروبا العديدة.
وتشكو إيفلين من عدم اهتمام السفراء والقناصل المصريين بهذه التجربة، حيث نظمت عدة معارض عالمية حضرها سفراء جميع الدول، باستثناء السفراء المصريين الذين لا يقدرون الفنون التراثية، وأعربت عن استعدادها للتعاون من أجل جلب المزيد من النجاح للقرية.
“سكان أجانب”
وكان من أشهر من سكن بالقرية من الأجانب هو الأديب والمترجم العالمى دينيس جونسون ديفيز، وهو أول من قام بترجمة روايات الأديب العالمى نجيب محفوظ إلى الإنجليزية، وكان واحدًا من طلاب الدكتور طه حسين بكلية الآداب.
والطريف أن الخواجة دينيس أشهر إسلامه فى القرية وأطلق على نفسه اسم عبد الودود.
كان دينيس يسمع أذان الفجر يوميًا فيرى البسطاء يهرعون من نومهم إلى الصلاة، وحسب أهالى القرية أنه كان يصلى معهم ويشعر بسعادة بالغة عند قراءة القرآن، ولا يزال هذا الكاتب على قيد الحياة، لكنه يحضر إلى القرية فى فصل الشتاء فقط.


“مجموعة صلاح جاهين”
وتضم قرية تونس أيضًا أول متحف للكاريكاتير فى الشرق الأوسط أنشأه الفنان محمد عبلة، ليكون قبلة للفنانين من كل مكان فى العالم.
المتحف يضم مجموعة نادرة من الرسوم الكاريكاتورية لصلاح جاهين ورخا وصاروخان وحجازى وغيرهم .
يقول محمد عبلة: “تونس هى واحة الفن والفنانين، وكثير من الأدباء والموسيقيين والفنانين جاءوا إليها وأقاموا بها لأنها أرض الوحى والإلهام، لأن القرية موجودة على ربوة عالية أمام بحيرة قارون، وبفضل الخضرة فقد منحتها كل هذه الصفات مؤهلات لتكون من ضمن أجمل المناطق الريفية فى مصر، وأنا شخصيًا انضممت لقائمة مبدعي تونس منذ نحو 20 عاما، وأنشأت مركز الفيوم للفنون بالقرية منذ عدة سنوات، وكان حلمى ولا يزال أن يكون واحة للإبداع يلتقى فيه المبدعون من كل العالم، يلتقون على الفن والتسامح والحوار، وكنت أحلم ومازلت أن يكون بيتًا للفنانين فيه يتقابلون ويرسمون ويتناقشون، وننظم سنويًا ورش عمل للتدريب على فن الكاريكاتير، ويفد إلينا فنانون من كل مكان”.
