هاني أبو الفتوح: الاقتصاد المصري يسير نحو التعافي.. والتحدي الأكبر هو التضخم
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتسارع التحديات، يواصل الاقتصاد المصري محاولاته لتحقيق التوازن بين معدلات النمو وضغوط التضخم. وفي هذا الحوار، يقدّم الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح رؤية تحليلية شاملة حول مستقبل الاقتصاد، وتقييم السياسات النقدية، إلى جانب أبرز القضايا التي تشغل المستثمرين والشباب في المرحلة الراهنة.
أجرى الحوار: نور فتحي
تصوير: شمس أيمن
“قراءات”
كيف تقرؤون مستقبل الاقتصاد المصري في ظل التحديات الراهنة؟
نحن نمر بمرحلة انتقالية صعبة، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لإعادة التوازن للاقتصاد. فرغم أن معدل النمو وصل إلى 5.3%، وهو رقم إيجابي على مستوى المؤشرات الكلية، فإن المواطن لا يشعر بهذا التحسن بشكل مباشر، بسبب ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت 15.2% في مارس 2026، وهو ما يلتهم أي زيادة في الدخول. كما أن جزءًا كبيرًا من هذا التضخم مستورد نتيجة ارتفاع أسعار النفط واضطرابات سلاسل الإمداد عالميًا، وهو ما ينعكس سريعًا على تكلفة المعيشة. لذلك يمكن القول إن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يزال يواجه تحديات حقيقية تحتاج إلى وقت للتعامل معها.
ما تقييمكم لسياسات البنك المركزي؟
يمكن القول إن البنك المركزي تحرّك بكفاءة واضحة للحفاظ على الاستقرار النقدي، خاصة في ظل الظروف العالمية الصعبة، ويكفي أن الاحتياطي النقدي تجاوز 52 مليار دولار، وهو ما يمثل غطاءً قويًا للاقتصاد. ومع ذلك، لا يمكن تحميل السياسة النقدية وحدها مسؤولية الأوضاع الحالية، خصوصًا مع خروج نحو 7 مليارات دولار من الأموال الساخنة، مما شكّل ضغطًا على سعر الصرف. وبالتالي فإن البنك المركزي يعمل ضمن بيئة عالمية معقدة، ويتعامل مع تحديات تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي.
هل رفع الفائدة حل فعّال؟
يُعد رفع الفائدة أداة ضرورية في مثل هذه الظروف، حيث يسهم في امتصاص السيولة من الأسواق، ويساعد على كبح التضخم، إلى جانب دعم استقرار العملة. لكن في المقابل، فإن لهذه السياسة تكلفة واضحة، سواء على مستوى الاستثمار أو الموازنة العامة للدولة. ومن هنا، فإن التوجه نحو خفض الفائدة تدريجيًا يعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السيطرة على التضخم وتحفيز النمو الاقتصادي، إلا أن نجاح هذا التوجه يظل مرهونًا بانخفاض معدلات التضخم بشكل حقيقي ومستدام.
” استثمار “
ما أبرز أخطاء المستثمرين الجدد؟
أبرز الأخطاء التي يقع فيها المستثمرون الجدد تتمثل في التقليل من حجم المخاطر، والتعامل مع السوق وكأنه بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها بسهولة. ففي الواقع، هناك العديد من العوامل المتغيرة مثل تكلفة التمويل، وتقلب أسعار المدخلات، وتغيرات الطلب، وكلها تؤثر بشكل مباشر على القرارات الاستثمارية. كما أن تجاهل مؤشرات مهمة، مثل تكلفة التأمين على الديون أو أداء القطاعات المختلفة، قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير دقيقة. وغالبًا ما يدرك المستثمر هذه الحقائق بعد التعرض لخسائر كان من الممكن تجنبها.
كيف نحقق التوازن بين الاستثمار الأجنبي والمحلي؟
تحقيق هذا التوازن يتطلب تطبيق مبدأ الحياد التنافسي، بحيث لا يكون هناك تمييز بين المستثمر المحلي والأجنبي. فمن المهم جذب الاستثمارات الأجنبية لما توفره من عملة صعبة وخبرات، لكن دون أن يكون ذلك على حساب المستثمر المحلي. فالاقتصاد القوي هو الذي يعتمد على قطاع خاص محلي قادر على النمو والمنافسة، وليس فقط على تدفقات مالية مؤقتة قد تتأثر بسرعة بالمتغيرات العالمية.
” تحول رقمي”
ماذا عن التحول الرقمي في البنوك؟
هناك تقدم ملحوظ في ملف التحول الرقمي داخل القطاع المصرفي، لكن لا يزال هناك مجال كبير للتطوير. فالعميل اليوم، خاصة من فئة الشباب، لم يعد يبحث فقط عن خدمات مصرفية تقليدية، بل يتطلع إلى تجربة مالية متكاملة تتيح له إدارة أمواله بسهولة، والعمل بحرية، والاستثمار بمرونة. وهذا يتطلب من البنوك تطوير نماذج أعمال أكثر ابتكارًا تواكب التغيرات في سلوك العملاء.
” تحديات”
ما حجم تأثير الأزمات العالمية؟
التأثير كبير ومباشر، خاصة في ظل انفتاح الاقتصاد المصري على العالم. فارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن ينعكس فورًا على الأسعار المحلية والميزان التجاري، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية. ومن هنا، فإن الحل يكمن في تعزيز الإنتاج المحلي، لأنه يقلل من الاعتماد على الخارج، ويمنح الاقتصاد قدرًا أكبر من الاستقلالية والمرونة في مواجهة الأزمات.
هل القطاع المصرفي قوي؟
نعم، القطاع المصرفي في مصر يتمتع بدرجة عالية من القوة والاستقرار، وقد أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على امتصاص الصدمات والتعامل مع الأزمات بكفاءة. ويُعد هذا القطاع أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي، خاصة في الفترات التي تشهد تقلبات مالية، حيث يلعب دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد والحفاظ على توازنه.
” آمال “
ما القطاعات الواعدة خلال الفترة المقبلة؟
هناك عدد من القطاعات التي يُتوقع أن تقود النمو خلال الفترة المقبلة، من أبرزها التكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية. كما يظل قطاع السياحة من القطاعات الحيوية القادرة على تحقيق إيرادات قوية، رغم ما قد يتعرض له من تقلبات مؤقتة نتيجة الظروف العالمية.
كيف يمكن دعم المشروعات الصغيرة؟
دعم المشروعات الصغيرة لا ينبغي أن يقتصر على تقديم التمويل فقط، بل يجب أن يشمل توفير بيئة أعمال مناسبة، وتسهيل الإجراءات، وإتاحة فرص الوصول إلى الأسواق. فالتركيز على القروض وحدها قد يؤدي إلى تحميل أصحاب هذه المشروعات أعباء مالية دون ضمان تحقيق النجاح، بينما الدعم الشامل يساهم في تعزيز فرص الاستمرارية والنمو.
” وعي “
هل الشباب واعٍ اقتصاديًا؟
هناك مستوى جيد من الوعي الاقتصادي لدى الشباب، خاصة فيما يتعلق بمتابعة أسعار العملات والذهب، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تعميق هذا الوعي ليشمل كيفية إدارة الموارد المالية واتخاذ قرارات استثمارية مدروسة. فالفهم السطحي للمؤشرات لا يكفي في ظل بيئة اقتصادية متغيرة ومعقدة.
هل البنوك تلبي احتياجات الشباب؟
رغم وجود محاولات من البنوك لتلبية احتياجات الشباب، فإن هذه الجهود لا تزال بحاجة إلى تطوير أكبر. فالشباب اليوم يحتاج إلى منتجات مالية مرنة تتناسب مع طبيعة العمل الحديثة، خاصة مع انتشار العمل الحر والاقتصاد الرقمي، وهو ما يتطلب حلولًا مصرفية أكثر ابتكارًا.
” رسائل”
هل العمل الحر بديل حقيقي؟
أصبح العمل الحر بالفعل خيارًا واقعيًا ومهمًا، خاصة في ظل التطور التكنولوجي وانتشار المنصات الرقمية، حيث يوفر فرصًا لتحقيق دخل بالعملة الأجنبية. كما يساهم في تقليل الضغط على سوق العمل التقليدي، ويفتح آفاقًا جديدة للشباب.
ما رأيك في القروض الموجهة للشباب؟
يمكن أن تمثل القروض أداة فعالة لتمكين الشباب إذا تم استخدامها في مشروعات إنتاجية مدروسة، لكنها قد تتحول إلى عبء مالي إذا استُخدمت لأغراض استهلاكية أو دون تخطيط كافٍ. لذلك فإن الوعي بكيفية إدارة القروض هو العامل الحاسم في تحقيق الاستفادة منها.
ما رسالتك للشباب؟
رسالتي للشباب هي ضرورة الاستثمار في الذات أولًا، لأن المهارات أصبحت هي الأساس الحقيقي في هذا العصر. وفي ظل عالم سريع التغير، فإن من يطوّر نفسه باستمرار ويفهم متطلبات السوق، سيكون قادرًا على خلق فرصه بنفسه وتحقيق النجاح.
