بيت مضطرب وقلب محطم| الخلافات الأسرية والمراهقين.. من المسئول عن مشاكل الأبناء النفسية؟
- الدكتورة ندى فوزي:
- الخلافات الأسرية المتكررة يمكن أن تؤثر بشدة على المستوى الدراسي للمراهق
- المشاحنات الأسرية تدفع المراهق للجوء لسلوكيات الهروب
- الخلافات الأسرية تجعل المراهق يحول هذه الذكريات السيئة إلى غضب
- الدكتور محمود حنفي:
- يجب التفرقة بين المشكلات الأسرية والتفكك الأسري
- محاولة كل طرف إثبات أنه الأفضل تؤدي لضياع الأبناء
- الأبناء ليسوا حكمًا لتحديد من المخطئ
- يجب أن يحصل المقبلون على الزواج على الإرشاد الأسري
- مراهق:
- الخلافات بين الزوجين قد تكون أمرًا طبيعيًا إذا كانت بهدوء واحترام
- الخلافات التي نشاهدها في البيت تجعلنا نفكر بحذر في الزواج
- وآخر:
- الخلافات بين والديَّ توترني
- انعدام الثقة المتبادل وعدم احترام اختلاف وجهات النظر أبرز مشاكلهما
تفتح النافذة لتسمع الضوضاء القادمة من الخارج، لتدرك أنها تتسلل من إحدى الشقق حيث يتشاجر زوجان بشدة، ويحدث ذلك غالبًا.
في أحد أركان الشقة، هناك مراهق يضع يديه على أذنيه محاولًا جاهدًا تجاهل الشجار، لكن دون جدوى.
حاول بعدها استخدام سماعات الأذن ورفع الصوت إلى الحد الأقصى، إلا أن الصوت كان أقوى من أن يتحمله، ليجد نفسه بلا حيلة، فماذا سيكون تأثير هذه المشاجرات المستمرة على هذا المراهق؟
أجرى التحقيق: حبيبة طارق
“تأثير”
تؤكد الدكتورة ندى فوزي، متخصصة في الطب النفسي وعلاج الإدمان، أن الخلافات الأسرية المتكررة يمكن أن تؤثر وبشدة على المستوى الدراسي للمراهق، ونتاج لتلك الصراعات ينخفض أداء المراهق الدراسي بنسبة كبيرة هو ومستوى تركيزه ودرجاته وشغفه ناحية الدراسة، وقد ينعزل أكثر أو يتوقف عن الحضور أو الدراسة، وهذا يجعل الأهل يلاحظون أن هناك مشكلة لأنهم لا يركزون على نفسية المراهق بسبب انشغالهم بالخلافات، وأحيانًا في الغالب يشعر المراهق بالذنب بسبب خلافات والديه، لذلك لا يطلب المساعدة أو يتواصل معهم عند وجود مشاكل لديه، لذلك الأهل يتحركون من أجل حل المشكلة، وغالبًا يلاحظون التأخر الدراسي على الفور.
وأوضحت أن السبب الذي يجعل المراهق يشعر بالذنب هو اعتقاده أن المشاكل بسببه أو يشعر أن من مسئوليته حلها، رغم أن هذه المشاكل ليست بيده أو هو ليس طرفًا بها، وأحيانًا يشجع الأهل الأطفال على هذا التفكير عن طريق تحدثهم عن مشاكلهم معه وجعله جزءًا منها بشكل كبير، عن طريق جعله حكمًا بينهم، وهذا يؤذيه بشدة.
“هروب”
وقالت إن المشاحنات الأسرية تدفع المراهق للجوء لسلوكيات الهروب، مثل الانعزال أو البقاء خارج المنزل لفترات طويلة، مشيرة إلى أن هذا يحدث كثيرًا، لأن من الاضطرابات المشهورة التي تحدث نتيجة الخلافات الخاصة بالبيوت أن الشخص يصبح لديه قلق شديد، ومن ضمن أعراض القلق أن الشخص يتجنب مصدر القلق، فيبدأ بالانعزال سواء في البيت أو خارجه، والابتعاد عن أهله والتركيز على أصدقائه والناس خارج إطار الأهل والصراعات، ويفعل ذلك دون وعي.
وتضيف “فوزي” أن من الاضطرابات والمشكلات النفسية التي قد تحدث للمراهق بسبب الخلافات الأسرية أيضًا الاكتئاب واضطرابات النوم، وفي أحيان اضطراب ما بعد الصدمة، وهذا عندما تصل المشاحنات والمشاكل لدرجة صعبة كالعنف الشديد والشعور بإحساس الذنب المستمر، ومن الممكن أن تتكون اضطرابات في الشخصية إذا كانت هذه المشاكل من الطفولة فتؤثر عليه في الكبر بسبب مفهوم الثقة؛ لأن مصدر الأمان لا يجعله يشعر بالأمان بسبب الخلافات التي يراها طوال الوقت فيبدأ هذا الشعور بالتذبذب، ويؤثر أيضًا على علاقته بالناس ونفسه كالثقة بالنفس ومن حوله.
وتابعت: “وقد تؤدي الخلافات أيضًا إلى مشاكل في التعلق بعلاقات صداقة أو ارتباط أو علاقات حب، فقد يتجنب العلاقات بالكامل ويكون لديه تعلق تجنبي، ومن الممكن لشخص آخر أن يصبح لديه تعلق قلق جدًا بالشخص الذي معه ويشعر بالخوف طوال الوقت ألا يكون هذا الشخص بجانبه أو أن يقول شيئًا قد يخسر بسببه، وهذه من ضمن الأشياء التي قد تسببها الخلافات من الطفولة والمراهقة”.
“مصالحة”
وأوضحت أنه من الممكن للخلافات الأسرية أن تجعل المراهق الذي نضج وارتبط عاطفيًا يقوم بتحويل هذه الذكريات السيئة إلى غضب، ويكون الغضب متحفزًا أكثر مع شريك حياته، ومن الممكن أن يحدث له نوبات غضب في العموم إذا كان غير مرتبط.
وذكرت “فوزي” أنه من الممكن أن يتعافى هذا الشخص من الخلافات التي شهدها، ويكبر ويتخطى هذه المواقف ويصبح شخصًا سويًا نفسيًا، فليس شرطًا أن تنتهي حياته جراء ذلك.
وتنصح المراهقين إذا وقع خلاف أو شجار بين والديهم أمامهم، فأول أمر يجب أن يعرفوه أن هذا ليس ذنبهم وليست مسئوليتهم، حتى إن كان يساعد فهو يساعد فقط وليست مسئوليته، وعندما يلاحظ أن هذه المساعدة في المشاحنات تؤثر عليه فعليه أن يبدأ بالابتعاد عن هذه التداخلات وينتظر حتى يهدأ وتستقر مشاعره ويطلب المساعدة في الأوقات التي لا يستطيع التعامل مع مشاعره وحده، فعليه الاستعانة بشخص قريب منه إن كان صديقًا أو قريبًا أو أخصائيًا نفسيًا.


“توضيح”
هل تدفع الخلافات الأسرية المراهق إلى البحث عن استقلال ذاتي مبكر والابتعاد عن أسرته هروبًا من التوتر داخل المنزل؟
بهذا التساؤل بدأ الدكتور محمود حنفي حديثه، وهو دكتور في خدمة اجتماعية جامعة ٦ أكتوبر.
وأكد “حنفي” أنه يجب الفصل بين شيئين؛ وهما المشكلات الأسرية التي تتواجد في كل بيت، ومصطلح آخر وهو التفكك الأسري.
وأوضح أن المشكلات الأسرية من الممكن حدوثها بشكل دائم، ومن الممكن أن يحدث شيء طارئ ويمر الموضوع بشكل طبيعي، فلا يخلو منها أي بيت.
وقال إنه إذا تكررت هذه الخلافات، وحدث انشقاق بين الزوج والزوجة، فإن ذلك سيؤثر على الأبناء، وبالأخص في سن المراهقة، لأن هذه السن تسمى “الولادة الثانية”، حيث يحاول فيها المراهق البحث عن هويته لعدم معرفته من يكون، متسائلًا: “إذا كان داخل المراهق صراع، ومن حوله صراع أيضًا، فماذا سيكون حاله؟”.
وأضاف أنه إذا وصل الأمر إلى التفكك الأسرى، مثل الطلاق، فسنلاحظ أن الأبناء يتفتتون، ولا تكون عليهم رقابة من الأباء في كثير من الأحيان، ما قد يؤدي إلى إدمان المخدرات وارتكاب الجرائم بسبب فقدان تلك الرقابة.
وذكر أن محاولة كل طرف إثبات أنه الأفضل، من خلال انتقاد الطرف الآخر، سواء من الأب تجاه الأم أو العكس، تؤدي في النهاية إلى ضياع الأبناء في المنتصف ليصبحوا الضحية.
وأشار إلى أنه عندما يفشل الزوج والزوجة في أن يكونا شريكين ناجحين، فلا يجب أن يفشلا في أن يكونا أبوين صالحين.
وشدد “حنفي” على أن الأبناء ليسوا حكمًا بين الأبوين لتحديد المخطئ، فعندما يجعلانهم طرفًا في النزاع يقضي هذا على شيء بداخلهم، ومن الطبيعي أن يحب الابن والده ووالدته معًا، فلماذا تمزقه من الداخل؟
ولفت إلى أن هذا التصرف يدل على الأنانية، مستشهدًا بقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
“إرشاد”
واختتم حديثه مؤكدًا ضرورة أن يحصل المقبلون على الزواج وطلبة الجامعة على الإرشاد الأسري، من خلال مبادرات وزارة التعليم العالي ووزارة التضامن الاجتماعي، مثل مشروع “مودة”.
وأشار إلى أهمية معرفة احتياجات الأبناء ومراعاتهم، لأن أي جهد يُبذل من أجل المحافظة على كيان الأبناء سينعكس بالإيجاب على الأسرة، فالأمر في النهاية فعل ورد فعل.


فيما يرى أحد المراهقين “ل. أ” أن عائلته أحيانًا تضعه في موقف صعب، حين يحاول بعض أفراد الأسرة جعله حكمًا بين الطرفين لتحديد من المخطئ.
ويوضح أن هذا الدور يسبب له ضغطًا لأنه لا يريد إغضاب أي طرف، لذلك يفضل غالبًا تهدئة الموقف وتشجيع كل طرف على فهم وجهة نظر الآخر بدلًا من إصدار حكم، أو يترك الأمر لهم ليحلوه بأنفسهم.
ويقول “ل. أ” إن الخلافات بين الزوجين قد تكون أمرًا طبيعيًا إذا كانت بهدوء واحترام ودون إشراك الأبناء فيها، لأن ذلك قد يعلّم الأطفال أن الاختلاف يمكن حله بالحوار، لكنه يرى أن الخلافات التي تتحول إلى صراخ أو إهانات، أو يُطلب فيها من الأبناء الانحياز لأحد الطرفين، قد تؤثر سلبًا على شعورهم بالأمان داخل البيت.
ويؤكد أن الخلافات التي يشاهدها بين الزوجين في البيت تجعله يفكر بحذر في الزواج أو العلاقات المستقبلية، لأنها أحيانًا تبدو صعبة ومليئة بالضغط، لكنه يوضح أيضًا أن هذه التجارب تعلمه أن الخلافات نفسها ليست مشكلة إذا كانت مصحوبة بالاحترام والتفاهم، وأنها تساعد على معرفة الأمور التي يجب تجنبها في العلاقات المستقبلية، مثل الصراخ أو عدم الاستماع للطرف الآخر.
وذكر أنه عندما تكون الخلافات بين والديه شديدة، يحاول الابتعاد عن المكان لتجنب التوتر، فيجلس في غرفته، ويسمع شيئًا يحبه أو يتحدث مع شخص قريب، وأحيانًا يشغل نفسه بالمذاكرة أو نشاط آخر ليبعد ذهنه عن ما يحدث، ما يساعده على الهدوء حتى يعود الجو في البيت أكثر هدوءًا.
فيما يقول أحد المراهقين “ي. ط” إن والديه لا يتشاجران كثيرًا ولكن عندما يفعلان يكون الأمر شديدًا ويكون صوتهما مرتفعًا جدًا، ما يخلق عدم الراحه لديه ويؤثر سلبًا على مستواه الدراسي، لأنه يحتاج لبيئة هادئة، لكن بسبب الصوت يبدأ بالتوتر فيسمع الأغاني للتهدئة، ما يجعله يترك الدراسة جانبًا.
ويرى “ي. ط” أن أسباب الخلافات بين والديه تعارض بين وجهات النظر، وعدم القدرة على فهم الآخر، وانعدام الثقة المتبادل.
في نهاية التحقيق، تعرفنا على الخلافات الأسرية الطبيعية والضارة بين الوالدين، وكيف يمكن أن تؤثر الخلافات الضارة على حياة الأبناء.
ومن المهم أن يعرف المراهق أن هذه الخلافات ليست مسئوليته ولا بسببه، وأن يتجنب الانغماس فيها، كما أنها فرصة مهمه لتعلم العادات السليمة التي يمكن أن يتبعها في مستقبله عند الزواج وتكوين أسرته، لتجنب تكرار التأثيرات السلبية التي شهدها العديد من المراهقين.
