هوس السلفي..بين وهم الإعجابات وأزمة الهوية الرقمية
في عصر أصبحت فيه الكاميرا رفيقًا دائمًا في كل لحظة، لم يعد التقاط الصور الذاتية “السلفي” مجرد وسيلة عابرة لتوثيق الذكريات، بل تحوّل إلى سلوك يومي قد يصل إلى حد الهوس. ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، باتت الصورة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى القبول الاجتماعي، خاصة لدى فئة الشباب، مما يثير تساؤلات حول تأثير هذه الظاهرة على الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية.
أجرى التحقيق: ناهد محمد
“رؤي”
توضح “يارا”، وهي شابة في العشرينيات، أن التفاعل على صورها يمثل جزءًا أساسيًا من حالتها النفسية اليومية، إذ تقول إن “عدد الإعجابات أصبح بمثابة الوقود الذي يمنحها شعورًا بالرضا”. وتضيف أنها تشعر بالإحباط عندما لا تحقق صورها التفاعل المتوقع، ما يدفعها إلى مقارنة نفسها بالآخرين والشعور بعدم الكفاية.
ولا يقتصر الأمر على لحظة التقاط الصورة، بل يمتد إلى وقت طويل من التحضير؛ حيث تقضي ساعات في اختيار الملابس ووضع المكياج والتقاط عشرات الصور، ثم تعديلها قبل نشرها. كما تشير إلى وجود ضغط اجتماعي يدفعها لتوثيق كل تفاصيل حياتها، خوفًا من أن تبدو حياتها أقل إثارة في نظر الآخرين. وتعترف أن الصور التي تنشرها لا تعكس حقيقتها بالكامل، بل تمثل “نسخة محسّنة” قد تجعلها متوترة من اللقاءات الواقعية.

” دين”
من جانبه، يوضح الدكتور محمود أن الحكم على هذا السلوك يرتبط بالنية؛ فالتصوير بغرض الاحتفاظ بالذكريات لا حرج فيه، لكن إذا تحول إلى وسيلة للرياء أو طلب الشهرة والمباهاة، فإنه يدخل في دائرة السلوكيات المذمومة. ويؤكد أن الاعتزاز بالنعم يختلف عن الغرور، فالأول يقوم على الشكر، بينما الثاني يقوم على التعالي.
كما يحذر من الإفراط في نشر تفاصيل الحياة الخاصة، لما قد يترتب عليه من فقدان الخصوصية وفتح أبواب الحسد، مشددًا على أهمية التوازن والاحتفاظ بجوانب من الحياة بعيدًا عن أعين الآخرين. ويرى أن تعزيز القيمة الذاتية يجب أن ينبع من الداخل، من خلال العلاقة بالله والعمل الصالح، وليس من خلال انتظار تقييم الآخرين.

” نفسي”
أما من الناحية النفسية، فتشير الدكتورة هالة إلى أن مرحلة الشباب تتسم بالحاجة إلى القبول الاجتماعي، وهو ما يجعل “السلفي” وسيلة سريعة للحصول على التقدير. لكنها تحذر من أن الاعتماد المفرط على هذا النوع من التقدير قد يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس.
وتوضح أن استخدام الفلاتر بشكل دائم قد يخلق فجوة بين الصورة الحقيقية والمعدلة، مما يؤدي إلى عدم الرضا عن الشكل وربما اضطرابات نفسية مثل تشوه صورة الجسد. وتؤكد أن السلوك يتحول إلى إدمان عندما يؤثر على حياة الفرد بشكل واضح، كإهمال الدراسة أو العمل أو تقلب المزاج بشكل حاد. وتشدد على أهمية نشر الوعي الرقمي وتعليم الشباب تقبل أنفسهم كما هم.

“سيكولوجي”
وفي السياق الاجتماعي، يرى متخصصون أن السلفي غيّر طبيعة التفاعل الإنساني، حيث أصبح الأفراد منشغلين بتوثيق اللحظة بدلًا من عيشها. ففي كثير من التجمعات، ينشغل الحضور بالتقاط الصور أكثر من التفاعل الحقيقي.
كما ساهمت هذه الثقافة في تعزيز الاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر، مما خلق بيئة تشجع على الاستعراض والتنافس الشكلي. ونتيجة لذلك، أصبحت الصور مجالًا مفتوحًا للتنمر الإلكتروني، حيث يتم تقييم الأشخاص بناءً على معايير جمالية غير واقعية. ويرى البعض أن هذه الظاهرة ليست مجرد موضة عابرة، بل تعبير عن تحول أعمق في طريقة توثيق الإنسان لحياته وسعيه لإثبات وجوده رقميًا.
يبقى “السلفي” أداة طبيعية للتعبير عن الذات إذا استُخدم باعتدال، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي إذا ارتبط بقيمة الإنسان. وبين التوثيق والهوس، تبرز الحاجة إلى وعي حقيقي يوازن بين الحياة الواقعية والعالم الرقمي، فالصورة قد توثق لحظة، لكنها لا تختصر حقيقة الإنسان.
