التنمر الإلكتروني..جريمة خلف الشاشات تهدد نفسية الشباب
لم يعد التنمر سلوكًا يقتصر على ساحات المدارس أو أروقة الفصول الدراسية، بل امتد ليجد له مساحة أوسع وأكثر خطورة عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. ففي عصر الرقمنة، أصبح التنمر الإلكتروني أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب، لما يحمله من تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة قد تفوق آثار التنمر التقليدي. هذا التحقيق يرصد أبعاد الظاهرة، وأسبابها، وتأثيراتها، ودور الأسرة والمدرسة والقانون في مواجهتها.
أجرى التحقيق: ياسمين عماد – يمنى احمد
” جذور”
أكد الدكتور محمود تمام، أستاذ علم النفس، أن التنمر الإلكتروني له جذور نفسية واجتماعية متعددة، من أبرزها تدني احترام الذات، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى إيذاء الآخرين كوسيلة لتعويض شعورهم بالنقص، وقد يصل الأمر إلى ما يُعرف بالشخصية السيكوباتية التي تستمتع بإذلال الآخرين. كما أشار إلى أن الرغبة في السيطرة والنفوذ تعد دافعًا أساسيًا، إذ يستخدم البعض هذا السلوك لتعويض عجزهم في الواقع.
وأضاف أن من بين الأسباب النفسية أيضًا ضعف الوازع الأخلاقي، والملل، والبحث عن الإثارة، فضلًا عن الضغوط النفسية مثل الاكتئاب والغضب المكبوت، والتي قد تدفع البعض إلى إسقاط مشاعرهم السلبية على الآخرين عبر الفضاء الإلكتروني.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أوضح أن غياب الرقابة الأسرية، والتقليد الأعمى لسلوكيات سلبية، والرغبة في الانتماء إلى مجموعات تمارس التنمر، كلها عوامل تسهم في انتشار الظاهرة. كما أن عدم رؤية رد فعل الضحية بشكل مباشر عبر الإنترنت يضعف الحواجز الأخلاقية لدى المتنمرين.
وفيما يتعلق بالآثار النفسية، أشار الدكتور محمود إلى أن ضحايا التنمر الإلكتروني يعانون من القلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس، وقد يصل الأمر إلى العزلة الاجتماعية واضطرابات النوم، بل وتظهر في بعض الحالات أفكار إيذاء النفس أو الانتحار، خاصة إذا استمر التنمر لفترات طويلة.

” تحديات”
من جانبها، أوضحت الأخصائية الاجتماعية منال عبدالله أن دورها لا يقتصر على التعامل مع المشكلة بعد وقوعها، بل يبدأ بالاستماع الجيد للطلاب ودعمهم نفسيًا. وأكدت أهمية التعاون مع الأسرة لتوفير بيئة آمنة للطالب، مشيرة إلى أن التعامل مع المتنمرين يتم بأسلوب تربوي قائم على التوجيه والتوعية، وليس العقاب فقط.
وأضافت أن من أبرز التحديات التي تواجهها هي تردد بعض الطلاب في الإبلاغ عن تعرضهم للتنمر، خوفًا من تفاقم المشكلة. لذلك تحرص المدارس على توفير وسائل آمنة لتلقي الشكاوى، إلى جانب تنظيم حملات توعوية لتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت.

” ظاهرة”
بدوره، أكد بهاء الدين جارحي، مدير مدرسة الشهيد علي نجم، أن التنمر الإلكتروني أصبح ظاهرة ملحوظة بين الطلاب، خاصة مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي. وأوضح أن الإدارة تتعامل بجدية مع أي واقعة، من خلال التحقيق فيها وإشراك أولياء الأمور، مع التركيز على التوعية والإرشاد النفسي. كما أشار إلى صعوبة الرقابة الكاملة على الفضاء الإلكتروني، مما يتطلب تعاونًا مستمرًا بين المدرسة والأسرة.

” تجربة”
وفي شهادة حية، روت إحدى الطالبات تجربتها مع التنمر الإلكتروني، حيث تعرضت لتعليقات جارحة وسخرية من شكلها عبر الصور والمنشورات، ما أثر على ثقتها بنفسها ودفعها للعزلة. وأوضحت أنها ترددت في البداية في طلب المساعدة، لكنها تمكنت لاحقًا من تجاوز الأزمة بدعم أسرتها وأحد المعلمين.

” تجريم”
من الناحية القانونية، أوضح المحامي مؤمن عز الدين أن التنمر الإلكتروني لم يعد مجرد سلوك غير أخلاقي، بل جريمة يعاقب عليها القانون. وأشار إلى أن قانون مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يفرض عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة على مرتكبي هذه الأفعال، خاصة في حالات التشهير أو التهديد أو الابتزاز.
وشدد على ضرورة احتفاظ الضحية بالأدلة الرقمية، مثل الرسائل أو الصور، والتوجه بها إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية. كما لفت إلى أن من أبرز التحديات صعوبة إثبات الجريمة في بعض الحالات، خاصة مع استخدام الحسابات الوهمية.التنمر الإلكتروني ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وتكنولوجية، وتتطلب مواجهتها تضافر جهود الأسرة والمدرسة والقانون. وبينما تظل التوعية والرقابة أدوات أساسية للحد منها، يبقى الدعم النفسي للضحايا هو الخطوة الأهم، لضمان حماية جيل كامل من آثار قد تلازمه لسنوات.

