عقول شابة في زمن متغير.. بين ضغوط الواقع وإغراءات النجاح السريع
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والانفتاح الثقافي غير المسبوق، يعيش الشباب حالة من التوازن الصعب بين الواقع المليء بالتحديات والطموح الذي تصنعه منصات التواصل الاجتماعي. لم تعد مفاهيم النجاح والعمل كما كانت في السابق، بل أعادت التكنولوجيا تشكيل أولويات الشباب وطموحاتهم، وخلقت مسارات جديدة قد تبدو أسرع لكنها أكثر تعقيدًا. في هذا التحقيق، نرصد كيف يفكر شباب اليوم، وكيف يتعاملون مع التغيرات الاجتماعية، وما بين الشهادة الجامعية والمهارات الرقمية، وأثر ذلك على مستقبلهم.
أجرى التحقيق : على حسن ـ ابراهيم رمضان
تصوير : الاء محمد
” هدف”
يقول محمود مدحت، طالب جامعي، إن النجاح لا يرتبط بشكل واحد، بل هو سعي مستمر نحو تحقيق هدف، سواء كان ماديًا أو معنويًا، مؤكدًا أن الاجتهاد يظل العامل الأساسي بعد التوفيق من الله. ويرى أن من أبرز المشكلات التي تواجه الشباب اليوم هي المقارنات غير المنطقية، التي أصبحت منتشرة بشكل كبير، حيث يقارن البعض أنفسهم بغيرهم دون وعي حقيقي أو معايير صحيحة، داعيًا إلى اتخاذ قدوات حقيقية قائمة على الكفاح والعمل، مثل النماذج الناجحة التي بنت نفسها من الصفر.

” تحول”
ومن جانبه، يوضح الدكتور محمود تمام، أستاذ علم النفس، أن هناك تحولًا واضحًا في نظرة الشباب إلى الشهادة الجامعية، حيث لم تعد تمثل القيمة المطلقة كما في السابق، بل أصبحت في نظر كثيرين مجرد خطوة تقليدية، في مقابل صعود مفهوم “البراند الشخصي” الذي يمنح شهرة أسرع وعائدًا ماديًا أكبر. ويرجع ذلك إلى انتشار نماذج ناجحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما يدفع بعض الشباب للتساؤل عن جدوى التعليم الأكاديمي مقارنة بالنجاح الرقمي السريع.
ويضيف أن هذا التحول لا يعني الاستغناء الكامل عن التعليم، خاصة في التخصصات التي لا غنى عنها مثل الطب والهندسة، لكنه يعكس تغيرًا في أولويات الشباب، حيث أصبحت المهارات الرقمية والتسويق الشخصي تمثل استثمارًا مهمًا في سوق العمل الحديث. ومع ذلك، يحذر من الانسياق وراء وهم النجاح السريع، مؤكدًا أن التوازن بين التعليم الأكاديمي وتطوير المهارات هو الحل الأمثل.
كما يشير إلى أن شعور بعض الخريجين بالاغتراب عن سوق العمل يعود إلى عدة أسباب، منها الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، بالإضافة إلى الضغوط الاجتماعية التي تدفع الشباب نحو تخصصات معينة دون مراعاة ميولهم، فضلًا عن غياب التوجيه المهني الفعّال، مما يترك الكثير من الخريجين في حالة من الحيرة بعد التخرج.

” سعي”
وفي السياق نفسه، تؤكد نور إسماعيل، منسقة مبادرات شبابية، أن الشباب ينقسمون إلى فئتين: الأولى تسعى وراء الربح المادي بأي وسيلة، حتى وإن كانت غير مناسبة، بينما تركز الفئة الثانية على العمل التطوعي واكتساب الخبرات، إيمانًا منها بأهمية تطوير الذات وبناء مهارات حقيقية تساعد في المستقبل. وتشير إلى أن المبادرات الشبابية تلعب دورًا مهمًا في رفع الوعي وتخفيف صدمة ما بعد التخرج، من خلال تقديم برامج توعوية وتنموية تستهدف مختلف الفئات.

” مؤثر”
أما صانع المحتوى هشام عاطف، فيرى أن سوق العمل لم يعد يعتمد بشكل أساسي على الشهادة الجامعية، بل على المهارات والقدرة على التعامل مع الواقع، مؤكدًا أن “مدرسة الحياة” تمنح خبرات قد لا توفرها الدراسة التقليدية. كما يوضح أن التوجه نحو العمل الحر أصبح خيارًا مفضلًا لدى الكثير من الشباب، خاصة لمن يبحثون عن الاستقلالية والمرونة بعيدًا عن القيود الوظيفية.

” رسالة”
وينصح هشام الشباب بتجربة مجالات مختلفة وتطوير مهارات متنوعة مثل المونتاج والتعليق الصوتي، وعدم الخوف من الفشل، مؤكدًا أن المقارنة بالآخرين هي أحد أكبر أسباب الإحباط. كما يشدد على أن الجرأة في اتخاذ الخطوات الأولى هي مفتاح النجاح، وأن التأثير في العصر الرقمي أصبح أداة قوية قد تفوق الخبرات التقليدية في بعض الأحيان. يعكس تفكير الشباب اليوم حالة من التغير العميق في القيم والأولويات، حيث لم يعد الطريق إلى النجاح واحدًا أو تقليديًا. وبين الشهادة الجامعية والمهارات الرقمية، وبين العمل الثابت والعمل الحر، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن، وبناء مسار يعتمد على الوعي الحقيقي لا على الانبهار السريع، فالمستقبل لم يعد لمن يسير في طريق واحد، بل لمن يجيد اختيار طريقه وصناعته بنفسه.
